أحمد بن محمد القسطلاني
455
ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري
( فأتانا النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فقعد وقعدنا حوله ) ، هذا موضع الترجمة مع ما بعده ( ومعه مخصرة ) بكسر الميم وسكون الخاء المعجمة ، وبالصاد المهملة ، قال في القاموس : ما يتوكأ عليه كالعصا ونحوه ، وما يأخذه الملك يشير به إذا خاطب ، والخطيب إذا خطب وسميت بذلك لأنها تحمل تحت الخصر غالبًا للاتكاء عليها ( فنكس ) بتشديد الكاف وتخفيفها ، أي خفض رأسه وطأطأ به إلى الأرض على هيئة المهموم المفكر ، كما هي عادة من يتفكّر في شيء حتى يستحضر معانيه ، فيحتمل أن يكون ذلك تفكرًا منه عليه الصلاة والسلام ، في أمر الآخرة لقرينة حضور الجنازة ، أو فيما أبداه بعد ذلك لأصحابه أو نكس المخصرة ( فجعل ينكت ) بالمثناة الفوقية ، أي : يضرب في الأرض ( بمخصرته ، ثم قال ) : ( ما منكم من أحد ) أي ( ما من نفس منفوسة ) مصنوعة مخلوقة ، واقتصر في رواية أبي حمزة ، الثوري على قوله : ما منكم من أحد ( إلا كتب ) بضم الكاف ، مبنيًّا للمفعول ( مكانها ) بالرفع مفعول ، ناب عن الفاعل أي : كتب الله مكان تلك النفس المخلوقة ( من الجنة والنار ) من : بيانية ، وفي رواية سفيان إلا وقد كتب مقعده من الجنة ، ومقعده من النار ، وكأنه يشير إلى حديث ابن عمر عند المؤلّف الدال على أن لكل مقعدين لكن لفظه في القدر إلا وقد كتب مقعده من النار أو من الجنة . فأو : للتنويع أو هي بمعنى الواو ( وإلا قد كتبت ) بالتاء آخره ، وفي اليونينية بحذفها ( شقية أو سعيدة ) بالنصب فيهما ، كما في الفرع على الحال ، أي : وإلاّ كتبت هي ، أي ، حالها شقية أو سعيدة ، ويجوز الرفع ، أي : هي شقية أو سعيدة ، ولفظ : إلا في المرة الثانية في بعضها بالواو ، وفي بعضها بدونها ، وهذا نوع من الكلام غريب ، وإعادة إلا يحتمل أن يكون : ما من نفس بدلاً من : ما منكم وإلا الثانية بدل من الأولى ، وإن يكون من باب اللف والنشر ، فيكون فيه تعميم بعد تخصيص إذ الثاني في كل منهما أعم من الأود أشار إليه الكرماني . ( فقال رجل ) هو : علي بن أبي طالب ، ذكره المصنف في التفسير لكن بلفظ : قلنا ، أو : هو سراقة بن مالك بن جعشم ، كما في مسلم ، أو : هو عمر بن الخطاب ، كما في الترمذي ، أو : هو أبو بكر الصديق ، كما عند أحمد والبزار والطبراني ، أو هو رجل من الأنصار . وجمع بتعدد السائلين عن ذلك ، ففي حديث عبد الله بن عمر فقال أصحابه : ( يا رسول الله أفلا نتكل ) نعتمد ( على كتابنا ) أي : ما كتب علينا وقدّر ، والفاء في : أفلا معقبة لشيء محذوف أي : أفإذا كان كذلك لا نتكل على كتابنا ( وندع العمل ) أي : نتركه ( فمن كان منا من أهل السعادة فسيصير ) فسيجره القضاء ( إلى عمل أهل السعادة ) قهرًا ، ويكون مآل حاله ذلك بدون اختياره ( وأما من كان منا من أهل الشقاوة فسيصبر ) فسيجره القضاء ( إلى عمل أهل الشقاوة ) قهرًا ؟ ( قال ) عليه الصلاة والسلام : ( أما أهل السعادة فييسرون لعمل ) أهل ( السعادة ) وفي نسخة : فسييسرون باعتبار معنى الأهل ( وأما أهل الشقاوة فييسرون لعمل ) أهل ( الشقاوة ) . وحاصل السؤال : ألا نترك مشقة العمل فإنا سنصير إلى ما قدر علينا فائدة في السعي فإنه لا يرد قضاء الله وقدره . وحاصل الجواب : لا مشقة ، لأن كل أحد ميسر لما خلق له ، وهو يسير على من يسره الله عليه . قال في شرح المشكاة : الجواب من الأسلوب الحكيم منعهم عن الاتكال ، وترك العمل ، وأمرهم بالتزام ما يجب على العبد من العبودية ، يعني : أنتم عبيد ، ولا بدّ لكم من العبودية فعليكم إمرتكم ، وإياكم والتصرف في أمور الربوبية ، لقوله تعالى : { وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ } [ الذاريات : 56 ] فلا تجعلوا العبادة وتركها سببًا مستقلاً لدخول الجنة والنار ، بل هي علامات فقط . اه - . ( ثم قرأ عليه الصلاة والسلام { فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى } [ الليل : 5 ] الآية . وزاد أبو ذر والوقت { وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى } [ الليل : 6 ] وساق في رواية سفيان إلى قوله : { لِلْعُسْرَى } [ الليل : 10 ] فقوله : { فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى } أي : أعطى الطاعة ، واتقى المعصية ، وصدق بالكلمة الحسنى ، وهي التي دلت على حق ، ككلمة التوحيد ، وقوله : { فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى } [ الليل : 7 ] فسنهيئه للخلة التي تؤدي إلى يسر